ابن كثير
84
البداية والنهاية
وعما قليل أنت لا شك صائر * إلى مالك فانظر ( 1 ) إلى ما أنت قائل وكان يحفظ شيئا كثيرا من الحكايات والأمثال والملح ، ويعرف العربية والتركية والعجمية والرومية والحبشية والزنجية ، وكانت له يد طولى في نظم الشعر . فمن ذلك قوله : ولو وقفت في لجة البحر قطرة * من المزن يوما ثم شاء لما زها ولو ملك الدنيا فأضحى ملوكها * عبيدا له في الشرق والغرب مازها وله في التجنيس : أطلت ملامي في اجتنابي لمعشر * طغام لئام جودهم غير مرتجى حموا ما لهم والدين والعرض منهم * مباح ، فما يخشون من عاب أو هجا إذا شرع الأجواد في الجود منهجا * لهم شرعوا في البخل سبعين منهجا وله مدائح حسنة وأشعار رائقة ومعان فائقة ، وربما عرض شعر البحتري بما يقاربه ويدانيه ، قالوا وكان الوجيه لا يغضب قط ، فتراهن جماعة مع واحد أنه إن أغضبه كان له كذا وكذا ، فجاء إليه فسأله عن مسألة في العربية فأجابه فيها بالجواب ، فقال له السائل : أخطأت أيها الشيخ ، فأعاد عليه الجواب بعبارة أخرى ، فقال : كذبت وما أراك إلا قد نسيت النحو ، فقال الوجيه : أيها الرجل فلعلك لم تفهم ما أقول لك ، فقال بلى ولكنك تخطئ في الجواب ، فقال له : فقل أنت ما عندك لنستفيد منك ، فأغلظ له السائل في القول فتبسم ضاحكا وقال له : إن كنت راهنت فقد غلبت ، وإنما مثلك مثل البعوضة - يعني الناموسة - سقطت على ظهر الفيل ، فلما أرادت أن تطير قالت له استمسك فإني أحب أن أطير ، فقال لها الفيل : ما أحسست بك حين سقطت ، فما أحتاج أن أستمسك إذا طرت ، كانت وفاته رحمه الله في شعبان منها ودفن بالوردية ( 2 ) . أبو محمد عبد العزيز بن أبي المعالي ابن غنيمة المعروف بابن منينا ، ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة وسمع الكثير وأسمعه ، توفي في ذي الحجة منها عن سبع وتسعين سنة . الشيخ الفقه كمال الدين مودود ابن الشاغوري الشافعي كان يقرئ بالجامع الأموي الفقه وشرح التنبيه للطلبة ، ويتأنى
--> ( 1 ) في الوافي : فافطن لما أنت . وفي ابن خلكان : فافطن لما أنا ( انظر ابن الأثير وتاريخ أبي الفداء ) . ( 2 ) الوردية : مقبرة بغداد بعد باب أبرز من الجانب الشرقي قريبة من باب الظفرية ( ياقوت ) .